الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

155

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

فإن كان وصف اللّه ب الْحَقَّ بالمعنى المصدري فالحصر المستفاد من ضمير الفصل ادعائي لعدم الاعداد ب الْحَقَّ الذي يصدر من غيره من الحاكمين لأنه وإن يصادف المحز فهو مع ذلك معرض للزوال وللتقصير وللخطإ فكأنه ليس بحق أوليس بمبين . وإن كان الخبر عن اللّه بأنه الْحَقَّ بالمعنى الاسمي للّه تعالى فالحصر حقيقي إذ ليس اسم الحق مسمى به غير ذات اللّه تعالى ، فالمعنى : أن اللّه هو صاحب هذا الاسم كقوله تعالى : هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [ مريم : 65 ] . وعلى هذين الوجهين يجري الكلام في وصفه تعالى ب الْمُبِينُ . ومعنى كونهم يعلمون أن اللّه هو الحق المبين : أنهم يتحققون ذلك يومئذ بعلم قطعي لا يقبل الخفاء ولا التردد وإن كانوا عالمين ذلك من قبل لأن الكلام جار في موعظة المؤمنين ؛ ولكن نزل علمهم المحتاج للنظر والمعرض للخفاء والغفلة منزلة عدم العلم . ويجوز أن يكون المراد ب الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ خصوص عبد اللّه بن أبي بن سلول ومن يتصل به من المنافقين المبطنين الكفر بله الإصرار على ذنب الإفك إذ لا توبة لهم فهم مستمرون على الإفك فيما بينهم لأنه زين عند أنفسهم ، فلم يروموا الإقلاع عنه في بواطنهم مع علمهم بأنه اختلاق منهم ؛ لكنهم لخبث طواياهم يجعلون الشك الذي خالج أنفسهم بمنزلة اليقين فهم ملعونون عند اللّه في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم في الآخرة ويعلمون أن اللّه هو الحق المبين فيما كذبهم فيه من حديث الإفك وقد كانوا من قبل مبطنين الشرك مع اللّه فجاعلين الحق ثابتا لأصنامهم ، فالقصر حينئذ إضافي ، أي يعلمون أن اللّه وحده دون أصنامهم . ويجوز أن يكون المراد ب الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ عبد اللّه بن أبي بن سلول وحده فعبر عنه بلفظ الجمع لقصد إخفاء اسمه تعريضا به ، كما في قوله تعالى : الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ [ آل عمران : 173 ] وقول النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب اللّه » . [ 26 ] [ سورة النور ( 24 ) : آية 26 ] الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ( 26 ) بعد أن برأ اللّه عائشة رضي اللّه عنها مما قال عصبة الإفك ففضحهم بأنهم ما جاءوا إلا بسيء الظن واختلاق القذف وتوعدهم وهددهم ثم تاب على الذين تابوا أنحى عليهم